المقريزي
188
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
بأجمعهم من وادي غارة إلى نحو الرّملة وسلكوا البرّ عائدين إلى حلب وليس لهم عزم على قتاله لعجزهم عنه وشدّة جزعهم وخوفهم ، فلما أراده اللّه تعالى به وبهم لم يتمهّل بل حمل من فوره حال وصوله واقتحم عليهم فارتطمت طائفة ممن معه في وحل كان هناك من سيل عظيم مرّ عن قريب وخامر مع ذلك طائفة أخرى وانقلبوا عنه إلى القوم فقووا بهم وثبت النّاصر في حماته وثقاته ، فقتل الأمير مقبل الرّومي أحد أمراء الألوف وقتل الطنبغا شقل وانهزم النّاصر وقد جرح ، فلحق بدمشق وأحاط القوم بالخليفة المستعين باللّه وكاتب السّرّ فتح الدّين فتح اللّه وناظر الجيش بدر الدّين حسن ابن نصر اللّه وناظر الخاصّ تقي الدّين عبد الوهاب بن أبي شاكر فازدادوا بهم نصرا وتأييدا وغنموا جميع ما كان مع النّاصر من مال وخيول وجمال ، فلم تغرب الشمس حتى صاروا من الخوف إلى الأمن ومن الذّلّ إلى العزّ ، فتقدّم شهاب الدّين أحمد بن حسن ابن الأذرعي أمام الأمير شيخ وصلّى بهم صلاة المغرب فقرأ بعد الفاتحة بصوته الشّجيّ : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 ) [ الأنفال ] فكانت لقراءته هذه الآية موقع عظيم لمناسبة الحال ، وباتوا ليلة الثّلاثاء وأصبحوا بمعسكرهم وليس فيهم واحد ينقاد للآخر فينادي الأمير شيخ في العسكر بأنّه الأمير الكبير ويرسم بما يشاء ، وينادي الأمير نوروز بأنّه الأمير الكبير ويرسم بما يختار ، وينادي الأمير بكتمر شلّق بأنّه الأمير الكبير يرسم بما يريد ، وأخذ الأمير سودون تلّي المحمدي الإصطبل السّلطاني فحازه لنفسه ، وكان أول ما بدأ به الأمير شيخ أن جلس مع الأمير نوروز وطلبا كاتب السّرّ فتح اللّه في خلوة ليكتب بما وقع إلى القاهرة ، فقال : من السّلطان الذي أكتب عنه بذلك ، فأطرقا معا رأسيهما إلى الأرض ساعة ثم رفعا رأسيهما وقالا : ابن أستاذنا « 1 » . . .
--> ( 1 ) ترك المصنف بعد هذا بياضا ، ولم يرجع إليه .